صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
3200
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
بظهره « 1 » مع رباح غلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأنا معه . وخرجت معه بفرس طلحة أندّيه « 2 » مع الظّهر . فلمّا أصبحنا إذا عبد الرّحمن الفزاريّ قد أغار على ظهر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فاستاقه أجمع . وقتل راعيه . قال : فقلت : يا رباح ! خذ هذا الفرس فأبلغه طلحة بن عبيد اللّه . وأخبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ المشركين قد أغاروا على سرحه . قال : ثمّ قمت على أكمة فاستقبلت المدينة . فناديت ثلاثا : يا صباحاه ! ثمّ خرجت في آثار القوم أرميهم بالنّبل . وأرتجز أقول : أنا ابن الأكوع واليوم يوم الرّضّع فألحق رجلا منهم . فأصكّ سهما في رحله « 3 » . حتّى خلص نصل السّهم إلى كتفه . قال : قلت : خذها : وأنا ابن الأكوع واليوم يوم الرّضّع قال : فو اللّه ما زلت أرميهم وأعقر بهم « 4 » . فإذا رجع إليّ فارس أتيت شجرة فجلست في أصلها . ثمّ رميته ، فعقرت به . حتّى إذا تضايق الجبل فدخلوا في تضايقه « 5 » ، علوت الجبل . فجعلت أردّيهم بالحجارة . قال : فما زلت كذلك أتبعهم حتّى ما خلق اللّه من بعير من ظهر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلّا خلّفته وراء ظهري . وخلّوا بيني وبينه . ثمّ اتّبعتهم أرميهم . حتّى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة وثلاثين رمحا . يستخفّون . ولا يطرحون شيئا إلّا جعلت عليه آراما « 6 » من الحجارة . يعرفها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه . حتّى أتوا متضايقا « 7 » من ثنيّة فإذا هم قد أتاهم فلان بن بدر الفزاريّ . فجلسوا يتضحّون ( يعنى يتغدّون ) . وجلست على رأس قرن « 8 » . قال الفزارىّ : ما هذا الّذى أرى ؟ قالوا : لقينا من هذا البرح « 9 » . واللّه ما فارقنا منذ غلس . يرمينا حتّى انتزع كلّ شيء في أيدينا . قال : فليقم إليه نفر منكم ، أربعة . قال : فصعد إليّ منهم أربعة في الجبل . قال : فلمّا أمكنوني من الكلام ، قال : قلت : هل تعرفونى ؟ قالوا : لا . ومن أنت ؟ قال : قلت : أنا سلمة بن الأكوع ، والّذى كرّم وجه محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم لا أطلب رجلا منكم إلّا أدركته . ولا يطلبني رجل منكم فيدركني . قال أحدهم : أنا أظنّ . قال : فرجعوا ، فما برحت مكاني حتّى رأيت فوارس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يتخلّلون الشّجر . قال : فإذا أوّلهم الأخرم الأسديّ . على إثره أبو قتادة الأنصاريّ . وعلى إثره المقداد بن الأسود الكنديّ . قال : فأخذت بعنان الأخرم . قال : فولّوا مدبرين . قلت : يا أخرم ! احذرهم . لا يقتطعوك حتّى يلحق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه . قال : يا سلمة ، إن كنت تؤمن باللّه واليوم الآخر ، وتعلم أنّ الجنّة حقّ والنّار حقّ ، فلا تحل بيني وبين الشّهادة . قال : فخلّيته . فالتقى هو وعبد الرّحمن . قال : فعقر بعبد الرّحمن فرسه . وطعنه عبد الرّحمن فقتله . وتحوّل على فرسه ، ولحق أبو قتادة - فارس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم - بعبد الرّحمن . فطعنه فقتله . فو الّذي كرّم وجه محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم لتبعتهم أعدو على رجليّ .
--> ( 1 ) بظهره : الظهر الإبل تعد للركوب وحمل الأثقال . ( 2 ) أنديه : معناه أن يورد الماشية الماء فتسقى قليلا ثم ترسل في المرعى ، ثم ترد الماء فترد قليلا ثم ترد إلى المرعى . ( 3 ) فأصك سهما في رحله : أي أضرب . ( 4 ) أرميهم وأعقر بهم : أي أرميهم بالنبل وأعقر خيلهم . وأصل العقر ضرب قوائم البعير أو الشاة بالسيف . ثم اتسع حتى استعمل في القتل كما وقع هنا . وحتى صار يقال : عقرت البعير أي نحرته . ( 5 ) حتى إذا تضايق الجبل فدخلوا في تضايقه : أي فدخلوا في تضايقه أي المحل المتضايق منه بحيث استتروا به عنه وحتى لا يبلغهم ما يرميهم به من السهام . ( 6 ) آراما من الحجارة : الآرام هي الأعلام . وهي حجارة تجمع وتنصب في المفازة ليهتدى بها . واحده إرم كعنب وأعناب . ( 7 ) حتى أتوا متضايقا من ثنية : أي حتى أتوا طريقا في الجبل ضيقة . ( 8 ) على رأس قرن : هو كل جبل صغير منقطع عن الجبل الكبير . ( 9 ) البرح : أي الشدة .